في ملف حصر السلاح بيد الدولة، لا تتصرف إيران بوصفها طرفا يرفع شعار التسليم ولا بوصفها طرفا يقود الرفض.
الموقف الذي يبدو باهتا على السطح هو في حقيقته محاولة لتقليل الظهور، لأن الظهور صار عبئا سياسيا يمكن أن يحول طهران إلى عنوان مباشر للضغط الأمريكي، ويضع الحكومة
المعادلة في بغداد تغيرت.
الفصائل لم تعد مجرد قوة ميدانية تحتاج غطاء من الخارج لكي تتكلم، بل صارت تمتلك تمثيلا سياسيا وامتدادات داخل مؤسسات، وأصبحت قادرة على التفاوض والمساومة من داخل الدولة لا من خارجها فقط.
وعندما يصعد الخط الفصائلي سياسيا، يصبح من مصلحة إيران أن تخفف حضورها العلني، لأن النفوذ يتحقق عبر النتائج لا عبر التصريحات.
ويضيف إلياس أنّ طهران تدرك، في المقابل، أنّ عليها مواءمة وضع حلفائها مع الاستحقاقات العسكرية والسياسية المستجدّة بعد حرب الإثني عشر يومًا، في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية والإقليمية التي تسعى إلى تحجيم هؤلاء الحلفاء عبر مسارات متوازية: من تشديد العقوبات، إلى فتح ملف نزع السلاح، وصولًا إلى التلويح بالاستهداف العسكري المباشر.
لذلك تميل إيران إلى مقاربة تقوم على إنتاج تسوية عراقية خاصة لملف السلاح، تسوية تحافظ على البنية التحتية للفصائل، وتعيد تدوير وجودها داخل مؤسسات الدولة وأطرها الرسمية، بما يسمح بتجاوز “عاصفة ترامب” بأقلّ كلفة ممكنة، على أن يُعاد بحث التفاصيل لاحقًا عندما تتبدّل موازين القوة.
في خلفية هذا التوجّه، يلفت إلياس إلى أنّ صعود حلفاء طهران في الانتخابات الأخيرة، وتحوّل بعضهم إلى قوى تمتلك مواردها الاقتصادية وشبكات نفوذها المستقلة، جعلهـم أقلّ خضوعًا للتأثير السياسي الإيراني المباشر، ما يضعهم أمام معادلة حادّة بين الحفاظ على وجودهم المهدَّد من قبل إدارة ترامب، وبين الاستجابة لاشتراطات إيران الإستراتيجية.
ولهذا تحديدًا، يَرجِّح أن تدفع طهران باتجاه خيار “دمج الفصائل” في المنظومة الرسمية، لا خيار “تفكيك الفصائل” الذي تعمل عليه واشنطن، بوصفه صيغة وسط تحفظ للفصائل جزءًا من قوّتها، ولإيران جزءًا من نفوذها.
ويرى إلياس أنّ المشكلة الإضافية أمام إيران تكمن في أنّ المشهد الإقليمي ما زال غير محسوم: فلا هي في موقع الضعف الذي يفرض عليها التراجع الكامل، ولا في موقع القوّة التي تخوّلها فرض شروطها بلا تنازلات.
لذلك قد تميل إلى القبول بحصرٍ جزئيّ لسلاح بعض التشكيلات، مع الإبقاء على أوراق أخرى خارج أي تسوية، تبعًا لدرجة المخاطر على أمنها القومي.
فطهران، كما يذكّر، تعي جيّدًا القيمة السياسية والعسكرية لسلاح الفصائل حين يتعلّق الأمر بالمواجهة مع الولايات المتحدة، وتخشى قبل كل شيء تحوّل الحدود
في العادة، حين يتحول ملف ما إلى ضغط أمريكي مباشر، تبحث إيران عن مخارج تحمي نفوذها دون أن ترفع هي راية المواجهة.
وأحد هذه المخارج أن تتحول المشاورات إلى عملية ضبط إيقاع: تخفيف لغة الرفض، منع التصعيد غير المحسوب، وترك مساحة لصيغة تسوية عراقية في الشكل، حتى لو كانت تسوية تضمن بقاء جوهر القوة في العمق.
كيف تقرأ دوائر الحرس الثوري الإيراني الجدل الدائر حول سلاح الفصائل في العراق؟
قال المصدر: "إن التطورات السياسية والأمنية الأخيرة في العراق أعادت ملف سلاح فصائل المقاومة إلى واجهة الجدل الداخلي، وسط تضارب في الأنباء حول موقف بعض هذه الفصائل من مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وما إذا كانت قد أبدت استعدادا للتخلي عن سلاحها لصالح الحكومة المركزية في بغداد.
هذا الجدل لا يمكن فصله عن طبيعة المرحلة السياسية التي يمر بها العراق، ولا عن حجم الضغوط الداخلية والخارجية التي تتقاطع عند هذا الملف الحساس".
يوضح المصدر المقرب من الحرس الثوري أن "نتائج الانتخابات البرلمانية
ويضيف المصدر أن "البرلمان العراقي، في ضوء صلاحياته الدستورية الواسعة، يبقى لاعبا أساسيا في رسم السياسات السيادية والأمنية، بما في ذلك مستقبل الحشد الشعبي وطبيعة العلاقة مع الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها إيران.
لذلك فإن أي مقاربة لهذا الملف لا تمر عبر البرلمان والتوازنات السياسية داخله ستكون عرضة للاهتزاز، وقد تفتح الباب أمام أزمات أوسع بدل أن تقدم حلولا مستدامة".
ويتابع المصدر حديثه قائلا: "في المقابل، تتحدث مصادر سياسية عن ضغوط تمارسها أطراف داخلية وخارجية لدفع الحكومة
وعن موقف طهران، يشدد المصدر على أن "هذه قضية داخلية، ومن شؤون الحكومة
يختم المصدر حديثه بالقول: "إن الرأي العام العراقي لا يزال يطالب بخروج القوات الأمريكية من البلاد، ويعتبر ملف سلاح المقاومة مسألة سيادية وحساسة لا يمكن التعامل معها بمعزل عن التوازنات الداخلية والتحديات الأمنية.
كما تؤكد مصادر سياسية أن العلاقات
هذا النص، حتى وهو يكرر أن القضية داخلية، يضع خطوط القراءة الإيرانية كما هي: ربط ملف السلاح بنتائج الانتخابات، وبالبرلمان وصلاحياته، وبفكرة أن ميزان القوى السياسي داخل بغداد لا يسمح بحسم سريع، وأن أي دفع باتجاه نزع شامل سيولد مأزقا وليس حلا.
وهو أيضا يعيد طرح ملف خروج القوات الأمريكية كشرط في الوعي العام، ليجعل النقاش عن السلاح جزءا من ملف سيادة أكبر، لا مجرد إجراء أمني منفصل.
الانقسام داخل الفصائل بين من يرفض التسليم صراحة، وبين من يتحدث عن استعداد مبدئي لمسار تسوية أو تنظيم للسلاح، خلق لحظة مناسبة لإيران كي تتحول من “طرف ظاهر” إلى “مدير توازن”.
طهران لا تحتاج أن تقف مع طرف ضد آخر علنا، بل تحتاج أن تمنع طرف الرفض من دفع الحكومة إلى صدام مباشر، وأن تمنع طرف التسوية من الذهاب بعيدا إلى درجة تفكيك شامل يقطع خطوط النفوذ.
لهذا، لا يمكن قراءة “بهتة الموقف” على أنها ضعف، بل على أنها سياسة تقليل خسائر.
إيران تريد إبقاء الملف عراقيا في خطابه الرسمي، لأن تحويله إلى ملف إيراني صريح يعني أن كل إجراء حكومي سيبدو كأنه تنفيذ لإملاءات خارجية، ما يضعف الحكومة، ويستفز الشارع، ويخلق مجالا لخصوم الفصائل كي يصعدوا الخطاب المضاد.
أما لماذا لا تريد إيران تصعيدا اقتصاديا في العراق، فالسؤال هنا لا يتعلق فقط بحساب الربح والخسارة، بل بوظيفة الاقتصاد داخل الصراع السياسي.
أي اهتزاز واسع في ملف الطاقة أو التجارة أو الاستثمارات داخل العراق يتحول بسرعة إلى ضغط على الحكومة أمام شعبها، لأن الكهرباء والغاز والسوق ليست ملفات تدار في غرف السياسة وحدها، بل تمس حياة الناس مباشرة.
وعندما تتعرض الحكومة إلى ضغط خدماتي مفاجئ، تصبح أكثر قابلية للبحث عن مخارج سياسية سريعة، وقد تصبح أكثر قابلية لتمرير قرارات حساسة، أو لعقد تسويات في ملفات معقدة، أو لإعادة ترتيب أولوياتها تحت ضغط الشارع.
بهذا المعنى، الاقتصاد يمكن أن يستخدم كأداة ضغط غير معلنة على بغداد، ليس لكي تنهار، بل لكي تتشكل قراراتها ضمن هامش أقل.
إيران لا تحتاج إلى إعلان ذلك، لكنها تدرك أن أي توتر في الغاز أو الكهرباء أو التجارة سيفرض على الحكومة إيقاعا جديدا في التعامل مع ملف السلاح والضغط الأمريكي.
لكن هذا السلاح الاقتصادي له حد خطير، لأن الإفراط فيه قد يدفع بغداد إلى تسريع فك الارتباط، والبحث عن بدائل طاقة وتجارية، وفتح الباب أمام ترتيبات تقلل نفوذ إيران بدلا من أن تعززه.
والأهم أن الميزان الاقتصادي الإيراني في العراق لا يقف عند العناوين الرسمية وحدها.
هناك اقتصاد علني، وهناك اقتصاد خفي يشتغل عبر مسارات لا تظهر في البيانات: من شبكات التهريب، إلى حركة العملة، إلى منافذ وشركات ظل، إلى أنماط تجارة وحدود يصعب ضبطها بالكامل.
الجزء الخفي، كما قلت خويي، غالبا أوسع من المعلن، وهو ما يجعل إيران أكثر حساسية تجاه أي صدام كبير يفتح ملف الاقتصاد كله دفعة واحدة، لأن فتحه لا يعني فقط خسارة تجارة، بل يعني فتح ملفات تدفق الأموال، ومن يقبض ومن يسهل ومن يغطي.
لهذا، إيران تميل إلى تجنيب العراق الضربات الكبيرة التي قد تقوض بيئة الاستثمار وتضرب السوق، ليس حبا بالاستقرار كشعار، بل لأن الاستقرار هو الغطاء الذي يحمي مصالحها العلنية والخفية معا، ولأن انهيار البيئة الاقتصادية في العراق سيقود تلقائيا إلى مطالبات أوسع بكشف الشبكات، وتشديد الرقابة، وإعادة ترتيب العلاقة مع الخارج، وهي نتائج لا تصب في مصلحة طهران.
الخط الإيراني، كما ورد في تصريح المصدر المقرب من الحرس الثوري، يركز على البرلمان بوصفه بوابة إدارة السياسات السيادية والأمنية.
هذه ليست تفصيلة دستورية، بل جزء من استراتيجية.
عندما يتحول ملف السلاح إلى نقاش برلماني وسياسي، يصبح قابلا للتفاوض والتجزئة والتأجيل وإعادة الصياغة.
أما إذا تحول إلى قرار تنفيذي صلب تحت ضغط خارجي، فستضطر الفصائل إلى ردود فعل ميدانية، وتضطر الدولة إلى إجراءات أمنية، وتتحول القضية إلى صدام يضع إيران في الواجهة حتى لو لم ترد ذلك.
ولذلك، يظهر “الحضور الباهت” كخيار محسوب: إيران تدفع نحو مسار يمر عبر السياسة، لأن السياسة تسمح بتدوير الزوايا، بينما الصدام لا يسمح إلا بالخسارة.
وهي تفضل أن يبقى النقاش بعنوان “تنظيم” و”تفاهمات” و”آليات” لا بعنوان “تفكيك” و”نزع” و”حسم”، لأن تغيير اللغة يغير سقف القرار.
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد زيارة وفد الفصائل الرافضة للتخلي عن السلاح إلى إيران، ومع تزايد الحديث عن آليات حصر السلاح بيد الدولة: هل كانت إشارات محاصرة الشركات الأمريكيّة الاستثمارية أول رد فعل في سلسلة ردود ستتصاعد تباعا كلما اقتربت بغداد أو واشنطن من خيار التفكيك الشامل؟
الزيارة، في معناها السياسي، تبدو أقرب إلى محاولة ترتيب المواقف وتوحيد الإيقاع قبل أن تتحول الضغوط إلى قرارات ملزمة.
وإذا كانت طهران تدفع باتجاه إبقاء الملف في إطار إدارة عراقية قابلة للتدوير داخل البرلمان والحكومة، فإن أي تقدم سريع نحو التفكيك الكامل قد ينتج ردودا تبدأ من الاقتصاد والاستثمار قبل أن تعود إلى السياسة والأمن.
وهذا ما يجعل إشارات “محاصرة الشركات” ذات دلالة تتجاوز مضمونها المباشر، لأنها تلمح إلى نقل الضغط إلى نقاط حساسة تمس صورة الدولة وقدرتها على حماية بيئة الأعمال.
السيناريو المرجح بعد الزيارة أن الفصائل ستخرج بموقف أكثر تماسكا في الشكل، مع محاولة دفع النقاش نحو مسارات تدريجية قابلة للتسويق، من نوع التنظيم والتسوية وإعادة الضبط، بدل الذهاب نحو صيغة تفكيك شاملة تفتح مواجهة مفتوحة.
وفي المقابل، إذا استمرت واشنطن في رفع سقفها، فإن ساحة الردود قد تتوسع إلى أدوات ضغط أكثر تنوعا، هدفها رفع كلفة القرار وإحراج الحكومة داخليا، لا إسقاطها.
أما النتيجة الأكثر حساسية فهي أن أي تصعيد غير مضبوط في هذا الاتجاه قد يدفع الحكومة إلى تسريع البحث عن بدائل اقتصادية وأمنية تقلل هامش المناورة لدى الجميع، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة اختبارا لقدرة طهران على ضبط حلفائها بقدر ما هو اختبار لقدرة بغداد على تثبيت مسار الدولة من دون كلفة صدامية عالية.



أضف تعليقاً جديداً