يحظى ملف تسليم السلاح من قبل بعض الفصائل المسلّحة باهتمام داخلي ودولي متزايد، باعتباره واحدًا من أكثر الملفات حساسية في علاقة الدولة
وبيّن أنّ "التسليم غير الفعلي للسلاح قد يتم عبر تسليم معدات قديمة أو غير مؤثرة، أو نقل الأسلحة النوعية إلى مواقع سرية، أو إعادة توزيعها تحت مسمّيات مختلفة، فيجب الحذر من أنّ هذا الأسلوب لا يحقّق الاستقرار ولا يلبّي متطلبات بناء الدولة وسيادة القانون".
وأضاف أنّ "الولايات المتحدة تراقب هذا الملف بدقة، وأنّ أي مؤشرات على عدم الجدية في نزع السلاح قد تُفسَّر على أنّها محاولة للالتفاف على الالتزامات المعلنة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام ردود فعل سياسية أو اقتصادية أو حتى أمنية".
وتابع المحمدي أنّ "واشنطن تعتمد في تقييمها على معلومات استخبارية وميدانية، وليس فقط على التصريحات العلنية، وبالتالي فإنّ الفجوة بين الإعلان والتنفيذ قد تؤدّي إلى تصعيد غير محسوب العواقب، ينعكس سلبًا على الوضع الأمني والاقتصادي".
وشدّد على أنّ "الجهات الرسمية مطالَبة بالتعامل بحزم ومسؤولية مع هذا الملف، من خلال وضع آليات واضحة ومعلنة لنزع السلاح، وضمان حصره بيد الدولة، وأي حلول جزئية أو مؤقتة لن تمنع الأزمات المستقبلية، بل قد تؤجّلها فقط".
إلى جانب التحذيرات المحلية، يتحرّك الملف على أرضية قانونية وسياسية جديدة في الولايات المتحدة.
فمشروع موازنة وزارة الدفاع الأمريكية لعام 2026 تضمّن بندًا يربط استمرار جزء من المساعدات العسكرية والأمنية للعراق بمجموعة من الشروط المتعلقة بوجود المليشيات والسلاح خارج إطار الدولة، من بينها مسار واضح لنزع السلاح، وتفكيك التشكيلات غير الرسمية، وربط القرار العسكري والأمني بالقائد العام للقوات المسلحة حصريًا.
هذا الربط يعني عمليًا أنّ التعاون العسكري والأمني، الذي كان في السابق قائمًا على أولوية مواجهة تنظيم داعش، بات اليوم مشروطًا أيضًا بكيفية تعامل بغداد مع السلاح خارج سيطرة الدولة.
في المقابل، يتيح القانون لوزير الدفاع الأمريكي، لمدة تصل إلى 6 أشهر، إصدار استثناء مؤقت إذا كان وقف أو تقليص المساعدات يضرّ بالمصالح الأمنية الأمريكية أو بجهود مكافحة الإرهاب.
هذه المهلة تحوّل الملف إلى ما يشبه فترة اختبار؛ فإذا تحرّكت بغداد خلالها بخطوات ملموسة وقابلة للتحقق باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، يمكن أن تستمر برامج الدعم والتعاون.
أمّا إذا اتّضح أنّ عمليات "التسليم" لا تتجاوز الجانب الشكلي، فإنّ أدوات الضغط تصبح جاهزة، من تجميد أو تقييد برامج المساعدة إلى إعادة النظر في شكل الوجود العسكري والاستشاري داخل العراق.
التحوّل لا يقتصر على البنتاغون، إذ تشهد أروقة الكونغرس نقاشات متصاعدة حول جدوى استمرار المساعدات العسكرية والأمنية للعراق في ظلّ استمرار نفوذ الفصائل المسلّحة.
بعض أعضاء الكونغرس لا يطالبون فقط بربط المساعدات بشرط نزع السلاح، بل يدفعون صراحة باتجاه فرض عقوبات اقتصادية على شخصيات وكيانات عراقية، في حال تبيّن أنّ بغداد لم تتعامل بجدّية مع التزاماتها في هذا الملف أو سمحت بالالتفاف عليها عبر حلول شكلية أو جزئية.
في هذا المناخ، تُطرح بقوّة أفكار تتعلّق بتقييد تحويلات مالية، أو استهداف مؤسسات وشركات يُشتبه بارتباطها بجهات مسلّحة، أو استخدام الملفات المالية والمصرفية
تعليق أو تقليص التعاون في هذا التوقيت، نتيجة تعثّر ملف نزع السلاح، لا يعني فقط خسارة دعم تقني أو لوجستي، بل قد ينعكس على قدرة المؤسسة العسكرية والأمنية في التعامل مع تهديدات مركّبة، بعضها داخلي وبعضها مرتبط ببيئة إقليمية معقّدة.
وهنا يتقاطع تحذير المحمدي مع المخاوف الأوسع من أن يتحوّل السلاح غير الخاضع للدولة إلى عامل إضعاف لقدرة العراق على الحفاظ على الشراكات التي ساهمت في تحقيق الاستقرار النسبي بعد هزيمة داعش، سواء عبر الضغط على هذه الشراكات، أو عبر ربط استمرارها بتحوّلات قسرية في خريطة التحالفات الداخلية.
في خلفية هذا المشهد، يظهر ملف حساس آخر سجّلته واشنطن على بغداد في الآونة الأخيرة، يتعلّق بطريقة التعامل مع حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن.
التردّد السابق في الوصول إلى صيغة حاسمة بخصوص إدراج هذه الجماعات على لوائح الإرهاب أو التعامل معها بوصفها منظمات محظورة بالكامل، اعتُبر في بعض الدوائر الأمريكية إشارة إلى أنّ بغداد ليست مستعدة لقطع ارتباطاتها أو علاقاتها مع البُنى الإقليمية التي تستند إليها بعض الفصائل المسلّحة داخل العراق.
ومع أنّ العراق اتّخذ لاحقًا خطوات مرتبطة بتطبيق بعض قرارات مجلس الأمن وتجفيف مصادر التمويل، إلّا أنّ الانطباع الذي تَكوّن في واشنطن هو أنّ الدولة تتحرّك غالبًا تحت ضغط الظروف، وليس في إطار رؤية داخلية مستقرة تجاه ظاهرة السلاح العابر للحدود.
اليوم، ومع فتح ملف نزع السلاح داخليًا، تعود تلك الملفات إلى الواجهة بوصفها معيارًا إضافيًا تُقاس به درجة جدّية أي تعهّد جديد يتعلّق بضبط السلاح أو إعادة هيكلة العلاقة مع الفصائل، وتُستحضَر أيضًا في نقاشات أعضاء الكونغرس الذين يدفعون باتجاه ربط هذا السجل السابق بأي قرارات جديدة تخصّ العقوبات أو شكل التعامل الاقتصادي مع العراق.
في النهاية، يضع هذا الواقع الدولة
ما بين هذه وتلك، يبدو أنّ معيار الحكم على التجربة لن يكون حجم التصريحات ولا عدد البيانات التي تتحدّث عن "تسليم السلاح"، بل وجود آليات واضحة وعلنية، خاضعة للرقابة، تضمن أن يتحوّل نزع السلاح من عنوان سياسي إلى واقع يمكن قياسه على الأرض.
من دون ذلك، سيبقى احتمال تعليق التعاون العسكري والأمني، وتصاعد الدعوات إلى عقوبات اقتصادية، وارتفاع منسوب التوتر السياسي والاقتصادي، قائمًا كلّما اتّسعت الفجوة بين ما يُعلن وما يُنفّذ فعليًا في ملف السلاح خارج سلطة الدولة.



أضف تعليقاً جديداً