لم يحتجّ المشهد العراقي إلا أياما قليلة حتى ينقلب من حديث عن "تجاوب الفصائل" مع دعوات حصر السلاح بيد الدولة، إلى بيان صريح يعيد الأمور إلى مربّعها الأول.
فبعد موجة تصريحات رسمية وإعلامية قدّمت إعلان بعض الفصائل نيتها تسليم السلاح بوصفه خطوة تاريخية باتجاه إنهاء زمن السلاح الموازي، خرج المتحدث العسكري باسم حركة عصائب أهل الحق، جواد الطليباوي، ليقول بوضوح إنّ "لا مكان في قاموس الحركة لتسليم السلاح أو التنازل عن المقاومة"، مؤكدا أن هذا الملف "ليس سياسيا" وغير قابل للتفاوض.
هذا الانقلاب السريع في النبرة ليس مجرد اختلاف في اللغة، بل يكشف عن حقيقة أعمق تتجاوز الأيام القليلة التي فصلت بين "التجاوب" و"التمسّك".
في المرحلة الأولى، جرى تسويق خطاب حصر السلاح على أنه استجابة متأخرة لدعوات داخلية وخارجية تطالب بإنهاء ظاهرة السلاح الموازي، واستثمار سياسي للحظة بدت مناسبة لتقديم الدولة كطرف يستعيد زمام المبادرة.
مجلس القضاء الأعلى، عبر فائق زيدان، تقدّم إلى الواجهة متحدثا عن "تجاوب" الفصائل مع دعواته، وظهرت صور واجتماعات ورسائل شكر فهمها كثيرون على أنها بداية مسار قادر، لو اكتمل، على تحويل النص الدستوري الذي يحظر وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة إلى حقيقة على الأرض.
لكن بيان الطليباوي جاء ليذكّر بأنّ ما عُدّ "تجاوبا" لم يكن في نظر واحدة من أبرز الفصائل أكثر من سقف سياسي مؤقت يمكن التراجع عنه عند أول اختبار.
فالبيان لا يكتفي برفض تسليم السلاح، بل يعيد تعريفه بالكامل، حين يقول إنّ على الجميع أن يعلم "أن لا مكان في قاموسنا لتسليم السلاح أو التنازل عن المقاومة أو الغفلة عمّا يخطّط لنا الأعداء، وهي ليست ملفّا سياسيا ولا بندا تفاوضيا، بل عقيدة سيادة وضمانة قرار ودرع كرامة لا تُكسَر بضغط ولا تُساوَم بإملاءات، ومن يراهن على غير ذلك يجهلنا".
بهذه الصياغة، يخرج السلاح من خانة الملفات التي يمكن إدارتها عبر التسويات إلى خانة "الثوابت" التي تُعامل معاملة العقيدة، ويصبح أي حديث عن حصره أو تنظيمه مجرد تفصيل ثانوي لا يمسّ جوهره.
وحين يضيف الطليباوي أنّ "شعارنا الذي حملناه ثابت دائم مستمر بأنّنا حماة – بناة، حماة هذا الوطن والحاضرون دائما للدفاع عنه والتضحية بأرواحنا من أجله متى تطلّب منّا ذلك، وبناة هذا الوطن كذلك السائرون في الطريق الصحيح لعراق قوي ودولة ناجحة"، فهو لا يقدّم تبريرا عابرا، بل يربط بين بقاء السلاح وبين صورة الحركة عن نفسها بوصفها جزءا من معادلة حماية الدولة وبنائها في الوقت نفسه.
هنا تتضح المفارقة: الفصيل يصرّ على أنّه "حامٍ" للدولة و"بانٍ" لها، لكنه في الوقت ذاته يرفض أن يخضع سلاحه بالكامل لمنطق هذه الدولة وقوانينها، ويعتبر أي محاولة لفعل ذلك مساّ بكرامته وسيادته وقراره.
بهذا المعنى، يمثّل بيان العصائب نموذجا عمليا لما وصفه الجبوري نظريا.
فما حدث لم يكن مسارا متدرجا نحو تسليم السلاح، بل خطوة تكتيكية أولى في اتجاه تهدئة الضغوط، أعقبتها مباشرة عودة إلى الخطاب العقائدي حين اتضح أن الطرف الآخر، أي واشنطن، يتعامل مع تلك الخطوة بوصفها أقل بكثير من المطلوب.
الجبوري يذكّر بأنّ "السلاح بالنسبة لهذه الفصائل لا يعد مجرد أداة عسكرية، بل يمثل عنصر أساسي في معادلة النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي فإن التخلي عنه بشكل كامل يعني خسارة أوراق ضغط رئيسية لا تبدو هذه الأطراف مستعدة للتفريط بها في المرحلة الحالية".
هذا بالضبط ما يعكسه توصيف الطليباوي للسلاح بأنه "ضمانة قرار ودرع كرامة": هو ليس فقط أداة مواجهة مع "الأعداء"، بل وسيلة لترسيخ المكانة داخل النظام السياسي نفسه، من البرلمان والحكومة إلى المفاصل الأمنية والاقتصادية.
ويضيف الجبوري أنّ "بعض الفصائل قد تلجأ إلى تسليم جزئي أو شكلي للسلاح، أو إعادة تموضعه بطرق غير معلنة، مع الحفاظ على القدرة على إعادة استخدامه عند تغيّر الظروف، كما أنّ غياب آليات رقابة صارمة وضمانات قانونية واضحة يعزز من احتمالية بقاء هذا السلاح خارج سيطرة الدولة".
هذه الجملة تكاد تكون وصفا دقيقا للمسافة بين مشهد "التجاوب" الأول وبين بيان العصائب.
ففي المرحلة الأولى، طُرحت فكرة حصر السلاح وتنظيمه، من دون أي تفاصيل عن مصير الصواريخ البعيدة المدى والطائرات المسيّرة والمنصات النوعية وشبكات التمويل، ثم جاء البيان الثاني ليؤكد أنّ القدرة على إعادة الاستخدام في أي لحظة لا تزال في قلب عقيدة هذه القوى، وأنّ أي "تنظيم" لن يُفهم إلا بوصفه إعادة توزيع للسلاح لا إنهاء وجوده.
ويشدّد الجبوري على أنّ "أي عملية حقيقية لنزع السلاح يجب أن تكون جزء من مشروع وطني متكامل، يستند إلى حصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل المؤسسات الأمنية، وتوفير بدائل سياسية واقتصادية حقيقية، والبيانات الإعلامية وحدها لا تكفي لقياس جدية النوايا"، قبل أن يختم بأن "المرحلة المقبلة تتطلب قراءة واقعية لهذه الإعلانات، بعيدا عن التفاؤل المفرط، مع التركيز على الأفعال الميدانية والمؤشرات العملية بوصفها المعيار الحقيقي لقياس التحول من العمل المسلح إلى العمل السياسي".
وبينما كانت بعض الخطابات الرسمية تميل إلى استثمار "اللحظة القضائية" التي صنعها فائق زيدان لتصوير ما جرى بوصفه انعطافة في سلوك الفصائل، يأتي بيان الطليباوي ليحسم أنّ معيار الجبوري هو الأصدق: ما لم تتغيّر وقائع الميدان، تبقى اللغة مجرد موجات عالية في سطح ماء عميق.
في هذه اللوحة، لا يمكن تجاهل دور مجلس القضاء الأعلى الذي تحوّل فجأة من حارس للنصوص إلى لاعب في هندسة التسويات.
زيدان، حين تحدّث عن "تجاوب" الفصائل وشكر قادتها على استجابتهم لدعوات حصر السلاح، بدا كمن يحاول دفع الأمور إلى الأمام عبر استخدام رمزية القضاء لإسناد مسار سياسي – أمني معقّد.
لكنّ هذا الخيار يضع القضاء في موقع حساس: فكلما تراجعت الفصائل عن لغة "التجاوب"، بدا خطاب الشكر وكأنّه منح شرعية مجانية لوجود سلاح خارج الدولة، بدل أن يكون خطوة على طريق تفكيكه.
ومع صدور بيان العصائب، يصبح السؤال مطروحا بحدة أكبر: إلى أي حد يمكن لمؤسسة قضائية أن تنخرط في خطاب "تشجيع" الفصائل، من دون أن تبدو كأنها تُقرّ بوجودها كلاعب شرعي في معادلة السيادة؟
على الضفة الأخرى، يظهر المبعوث الأمريكي مارك سافايا وهو يعيد تدوير الخطاب الأمريكي التقليدي حول السلاح في العراق بلغة أكثر حدّة.
الرجل رحّب في البداية بما وصفه بخطوات "مشجعة"
هنا تحديدا ينكشف عمق الفجوة.
من جهة، ترى الولايات المتحدة أنّ أي مسار لا ينتهي إلى احتكار كامل للسلاح من جانب الدولة ليس سوى تأجيل للمشكلة.
ومن جهة ثانية، ترى الفصائل أنّ أي مسار يأخذها إلى هذه النقطة هو مسار يجرّدها من نفوذها ويحوّلها إلى لاعب سياسي عادي يمكن الاستغناء عنه في أول منعطف.
وبين هذين الحدّين، تقف حكومة محمد شياع السوداني في مساحة ضيقة للغاية.
السوداني، الذي ربط أكثر من مرة إمكان نزع السلاح بشكل كامل باستكمال انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، يدرك أنّ أي خطوة كبيرة في هذا الاتجاه لا يمكن أن تُتخذ بقرار إداري أو قضائي منفرد، وأنّ التحالفات التي يستند إليها في البرلمان والحكومة تضمّ أطرافا ترى في السلاح ضمانة لمكانتها داخل النظام.
لكنه في الوقت نفسه، يواجه ضغطا متزايدا لتقديم ما يشبه "شهادة حسن سلوك" أمام المجتمع الدولي، تثبت أنّ الدولة قادرة على ضبط الفصائل التي ارتبط اسم بعضها بهجمات على قواعد ومصالح أجنبية، وبملفات اقتصادية ومالية شائكة.
كل تقدّم في هذا الملف يحمل معه كلفة داخلية، وكل تراجع يرفع كلفة العلاقة مع الخارج.
كل ذلك يفسّر لماذا يصرّ الجبوري على أنّ "البيانات الإعلامية وحدها لا تكفي لقياس جدية النوايا".
فبين صور "التجاوب" الأولى وبيان العصائب الأخير، تكمن الحقيقة التي حاول التقرير أن يلتقطها: ما جرى ليس مسارا سياسيا مستقرا نحو تسليم السلاح، بل حلقة جديدة في لعبة موازين القوى، تتقدّم فيها الفصائل خطوة تكتيكية تحت الضغط، ثم تعود إلى مواقعها العقائدية حين تشعر أنّ الثمن المطلوب يتجاوز ما يمكن أن تقدّمه.
وبين دولة تحاول أن تمسك بخيوط اللعبة، وقضاء يغامر بدخول حقل ألغام سياسي، ومبعوث أمريكي يرفع سقف التوقعات، تبقى البندقية، كما وصفها الطليباوي، "درع كرامة" في خطاب حَمَلَتها، لكنها في نظر كثير من العراقيين، تبقى أيضا العقدة الأكبر في طريق دولة تحاول أن تتحرّك خارج ظلّ السلاح الذي لم يدخل، بعد، إلى قاموس التفاوض الحقيقي.



أضف تعليقاً جديداً